مطـالبة الحـكم الـذاتـي، الانتكاسـة و الرجــوع الى الخـلـف
بقلــم / منجـلواك أقــوير راو - المحــــامي
في الآونـة الأخـيرة ظهـرت بعض الأصـوات من أبناء أبيي تنادي بالحكـم الذاتـي و بالرجـوع إلى هذه المطالبة نجد أن مصدرها نابع من بعض أبناء أبيي الذين هجروا المنطقة منذ عقود من الزمان، و تزامنت في ظهورها الي السطح مع بروز مقترح الدكتور فرنسيس مدينق دينق للعلن حيث تفاجأ أبناء نقوك في 19 مايو 2014 بخطاب الدكتور و هو يقدم مقترحا أمام مجلس الأمن الدولي و هذا الخطاب تم استنكاره بواسطة خارجية جمهورية جنوب السودان آنذاك و الذي كان الدكتور فرنسيس المبعوث الدائم لها في الأمم المتحدة، أيضا اسنتكرتها دوائر كبيرة وسط عشائر دينكا نقوك لانها لم يسمع بها أحد، سرعان مع انطفت تلك المصيبة في مهدها و رجعت الي السطح في يوم 15 يوليو 2018م عندما وقع الدكتور فرانسيس و مهدي بابو نمر في الخرطوم علي مذكرة سموها بيان كبار أعيان المسيرية و الدينكا نقوك و التي دعا فيها الطرفان الي إقامة حكم ذاتي عرفي لكلا الطرفين، هاج و ماج الجميع ضد الوثيقة الموقعة بواسطة هذين الرجلين باعتبار عدم امتلاك الدكتور للتفويض اللازم للتحدث نيابة عن عشائر دينكا نقوك، هدأت الأمور حتي عام ٢٠٢٢ و المتتبع للتسلسل التاريخي يجد نشاط المقترح تكون كل بعد أربع سنوات ، و الجديد في الأمر هذا المرة هو إجتماع رابطة نساء أبيي بالولايات المتحدة و كندا بالدكتور فرانسيس و تم تجديد عرض الفكرة مرة ثانية لهم، و في اعتقادي أبدت تلك الرابطة عن إعجابهم بذلك المقترح و أعلنوا تبنيهم ذاك المقترح، عبر تأسيس منظمتين هما ،،(صوت أبيي للأمن والاستقرار AVSS و منظمة أبقيه في السرية KIC) و أصبحتا منفصلتين عن رأبطة النساء لكن بقيت قيادة عن تلك المنظمين لرئيسة الرابطة السيدة صوفيا دينق و عبر تلك المنظمتين وضعت خطة عمل جديدة ،لإعادة إحياء ما أصبح في طي النسيان، بغض النظر عن المراكز القانونية لتلك المنظمتان و مدي تسجيلهما و بلدان المنشاه لهما، إلا أنها نجحت في ضخ الأموال و تسهيل الحركة للتبشير بالمقترح و (للحكم الذاتي) و فشلا في توضيح آلية تطبيق المقترح (آلية تطبيق الحكم الذاتي) على أرض الواقع، بالإضافة للادعاء الذى ظلت تتدعيها المنظمتان بإدخال بعض التعديلات و سوف نأتي إليه في حينها، و قبل الخوض في المقترح، لابد أن نعود لمعرفة ماهية الحكم الذاتي حسب ما جاء في موسوعة ويكيبيديا ((بأنه نظام سياسي وإداري واقتصادي يحصل فيه إقليم أو أقاليم من دولة على صلاحيات واسعة لتدبير شؤونها بما في ذلك انتخاب الحاكم والتمثيل في مجلس منتخب يضمن مصالح الأقاليم على قدم المساواة)). من هذا التعريف يمكننا اخراج عنصرين مهمين و هما الاول : هو حصول إقليم معين علي نظام سياسي و اداري و إقتصادي مستقل و العنصر الثاني هو أن تكون تلك الإقليم من دولة معينة ،و هنا لا يمكن اعتبار أن هناك إقليم لا يتبع لاي دولة في العالم، و من خلال تطبيق هذين العنصرين نجد أن مطلب الحكم الذاتي مضت عليه الزمن و لانها كانت مجموعة من المطالب التي تقدم بها المفاوض الجنوبي إبان مفاوضات أديس أبابا عام 1972 و كانت منطقة أبيي جزء لا يتجزأ من المفاوض الجنوبي آنذاك لاعتبارات كثيرة منها مشاركة أبناء أبيي للثورة الشعبية التي اندلعت في توريت 18 اغسطس 1955و حتي 27 فبراير 1972م ، و لكن نتيجة لنقض النخبة السياسية الشمالية للمواثيق و العهود لم تنفذ بنود اتفاقية أديس أبابا بالطريقة المنصوص عليها في الاتفاقية و تنصلت النخبة السياسية الشمالية عن الحكم الذاتي ، و هذا ما دعا أبناء أبيي و أبناء جنوب السودان للعودة مجددا للادغال وحمل السلاح لمحاربة الأنظمة الديكتاتورية في السودان، و في ذلك الأثناء تعالت سقف المطالبات هذه المرة لتشمل حق تقرير المصير لعشائر دينكا نقوك التسعة و شعب جنوب، و بالفعل في 9 يناير 2005م تم توقيع اتفاقية السلام الشامل ،التي احتوت علي حق تقرير المصير لشعب نقوك عبر بروتوكول أبيي و هذا هو ما يجعلنا أن نقول بأن سقف مطالبنا قفزت من مرحلة الحكم الذاتي الي مرحلة حق تقرير المصير ، مع التنفيذ تنصلت الخرطوم من أعطاء شعب نقوك اتونقدياك حق تقرير مصيره إلا أن شعب جنوب السودان تمكن من انتزاع ذلك الحق و تبقى شعب نقوك، لكن في الآونة الأخيرة ظهرت الي وجه المشهد السياسي الابياوي روح أنهزامية و أستسلامى عند البعض، و أصوات تدعوا للرجوع الي الوراء و تناسوا كم شهيد فقدوا من أبناء نقوك( اتونقدياك) من أجل الوصول لهذا المستوى (مرحلة حق تقرير المصير)، هناك من يدعي إمكانية إقامة حكم ذاتي في إطار منفصل من سيادة جمهورية جنوب السودان و السودان و هذا الأعتقاد لا يمكن تسميته بالحكم الذاتي، ربما يكون مناسبا إذا أطلق عليه بالمطالبة بالاستقلال عن جنوب السودان و دولة السودان و تكوين دولة قائمة بذاتها ،تتمتع بكامل استقلالها السياسي و السيادي، و هذا قريبا للمنطق اما الادعاء بتسميته حكم ذاتي فهذا لا يدعمه أي منطق سياسي او أساسا قانونيا، و إن الفرضية القريبة للحكم الذاتي هو مخاطبة دولة السودان بقبول شعب نقوك للحكم الذاتي في إطار السودان الواحد و التنازل عن حق تقرير المصير الذي اكتسبناه بعدما قدم شهداء نقوك أرواحهم الطاهرة و التي بموجبها تم توقيع برتوكول أبيي ، و اذا حصل ذلك يعد انتكاسة لنضال استمر أكثر من 100عام، و بهذا يمكن أن نقـــول أن اقـرب نموذج للاصرار بالمطالبة بحق تقرير المصير هو نموذج الصحراء الغربية التي ظلت جبهــة البوليساريو و شعب الصحــراء الغربيــة يطالبون بحق تقرير المصير بينما ،تصــر دولة المغـرب بإعطاءهم فرصــة الحكم الذاتي بصلاحيات واسعة مقابل التنازل عن حـق تقــرير المصــير و الذي يقابله رفـض تام من أبناء الصحراء الغربية منذ أكثر من ثلاثين عاما و الإصــرار على إجراء أستـفتاء لحق تقرير المصير و الانفصال من دولة المغرب، و بهذا إن اليأس الذي انزرع في نفوس بعض أبناء أبيي ناتج من التأخير المستمر لقضية و عدم الاعتراف الصريح بالاستفتاء المجتمعي التي أجري في عام ٢٠١٣ من البرلمان و الحكومة و هذا جعلهم يفقدون الامل أصبحوا لا يستشعرون الإنجاز الذي تم في 26 مايو 2004م بقبول دولة السودان بحق تقرير مصير شعب أبيي بالرغم أن كانت هناك مناطق رفضت دولة السودان اعطائهم حق تقرير المصير مثل جبال النوبة والنيل الأزرق، إلا أن دولة السودان لم تقبل باي حق المنطقتين سوى الحكم الذاتي، و بهذا أجد نفسي منتقدا للإنكسار الذي أصبح يتنامي في نفوس بعضنا دون إدراك أهمية الإنجاز الكبير الذي تحصلنا عليها طوال نضال شعبنا و لا يمكن أن ننهزم أمام تلك الإنكسارات و التنازل عن حق تقرير المصير مقابل الحكم الذاتي !!!
في الختام نثمن على القرارات الرئاسية الأخيرة بإعادة تشكيل اللجنة العليا للحل النهائي و لجنة إدارة الموارد الاقتصادية المنبثقة من اللجنة العليا بالرغم من أنحصار عضويته اللجنتين لأسماء لا تعكس التنوع و الطيف الموجود علي مستوي عشائر دينكا نقوك التسعة لكنها بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح و تزرع المزيد من الأمل في قلوب شعب نقوك من أجل الحل النهائي للقضية
