ورقة تحليلية بعنوان : الانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل وتأثير تقسيم الدوائر الجغرافية على منطقة أبيي
أ. منجلواك أقوير راو
المحامي والمستشار القانوني السابق لرئيس إدارية أبيي
:مقدمة وتمهيد
تأتي العملية الانتخابية المزمع إجراؤها في ديسمبر المقبل كمحطة مفصلية في تاريخ جمهورية جنوب السودان الحديث، وتلك المحطة المفصلية سوف تضع منطقة أبيي أمام تحديات قانونية، إدارية، وسياسية معقدة في ظل جمود ملف الاعتراف النهائي بنتائج الاستفتاء المجتمعي التي تم إجراءها في عام 2013م وقد اعتمدتها المجلس التشريع لإدارية أبيي في ديستمبر 2024م وحولت الملف للحكومة الاتحادية وتحديدا إلى مجلس الوزراء القومي للاعتماد النهائي وقد اضحى في طي النسيان في أدراج مجلس الوزراء القومي وهذا النسيان وتقابله صمت مريب من قبل رئيس إدارية أبيي الحالي وعدم أمكانيته في تحريك الجمود الذي يلازم عملية اجازة الاستفتاء امام مجلس الوزراء من ثم البرلمان القومي برغم مقابلة رئيس الجمهورية في اكثر من ثلاثة لقاءات منذ توليه المنصب في فبراير عام 2025م.
إن التحولات الأخيرة في المشهد السياسي القومي، والاتجاه نحو تعديل اتفاقية المنشطة لحل النزاع في جمهورية جنوب السودان الموقع في عام 2018م وتعديل بعض الشروط الهيكلية للانتخابات، وهذا يفرض ضرورة قراءة وضعية أبيي الخاصة لضمان عدم المساس بحقوق مواطنيها الدستورية والسياسية، وتجنب إعادة إنتاج صيغ إدارية تجاوزها الواقع القانوني والمؤسسي المحرز منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2005م .
.أولاً: السياق السياسي الراهن والمستجدات الانتخابية
تواجه أطراف اتفاقية المنشطة لحل النزاع في جمهورية جنوب السودان الموقع في عام 2018م ضغوطاً سياسية داخلية وإقليمية متزايدة للوفاء باستحقاق الانتخابات العامة مع استمرار محاكمة النائب الاول الموقوف الدكتور رياك مشار وستة متهمين آخرين، حيث تتجه الامور إلى إجراء أنتخابات عامة بالبلاد. . وقد شهدت الاجتماعات الأخيرة للأحزاب السياسية الموقعة على الاتفاقية تحولاً إجرائياً جوهرياً، حيث تم التوافق على إجراء تعديلات استثنائية تشمل إلغاء شرط "الدستور الدائم" كمطلب للعملية الانتخابية وإلغاء شرط "الإحصاء السكاني الشامل"،.واللذين كانا يشكلان الضمانة القانونية والفنية لتحديد الدوائر وحجم التمثيل .
تستند منطقة أبيي إلى نصوص قانونية تؤكد خصوصيتها وعدم تبعيتها التقليدية لأي ولاية بل تعتبر ادارة قائمة بذاتها، وتنص دستور جمهورية جنوب السودان الانتقالي لسنة 2011م (المعدل) في المادة 1 (2) (ب) مقروءة مع المادة 97 (4)، والتي تمنح أبيي وضعاً إدارياً خاصاً تحت رعاية رئيس الجمهورية وكذلك أمر التأسيس لرئاسة الجمهورية لسنة 2015م. وتعتير الاستفتاء المجتمعي لسنة 2013م: والذي حظي بإجازة مجلس الوزراء المحلي ولجنة الحوكمة بالحكومة القومية، وعززتها الرأي القانوني الحاسم الصادر عن وزير العدل في عام 2025م، مما يضفي شرعية قانونية وسياسية قطعية على نتائج هذا الاستفتاء وخصوصية المنطقة.
ثانياً: الخلفية التاريخية والمرجعية القانونية لانتخابات 2010م
لتفكيك الأزمة الحالية، يجب الارتباط بالخلفية التاريخية التي أسست للمشهد الانتخابي المحيط بالمنطقة يجب على الرجوع والاشارة لبروتوكول حل نزاع أبيي الموقعه في 2004م ضمن اتفاقية السلام الشامل حيث تنص (البند 1.2.1) من البروتوكول على تمثيل مزدوج مؤقت لمنطقة أبيي في ولايتي جنوب كردفان وواراب لحين تحديد الوضع النهائي للمنطقة وهذا قبل استقلال جنوب السودان، وفي عام 2010م إجريت انتخابات جزئية في أبيي عبر صيغة حيث انحصرت العملية الانتخابية في (الانتخابات الرئاسية، منصب حاكم ولاية واراب، والدوائر الجغرافية للمجلس التشريعي لجنوب السودان ومجلس ولاية واراب)، وتم التصويت فيها باعتبار المنطقة دوائر تتبع لولاية واراب وأسفرت تلك الانتخابات عن انتخاب اعضاء في المجلس التشريعي لجنوب السودان وهم المرحوم/ هنربول أروب مدوت أروب، وهنربول عائشة عباس أكوي (عن الدائرة الجغرافية وكتلة المرأة على التوالي وفي مجلس التشريعي لولاية واراب وهم هنربول/ أروب دينق كوال (المشهور بأروب أوال)، والمرحوم .هنربول/ دينق أبيم بقت (عن الدائرتين الانتخابيتين 1 و2).
.ثالثاً: معضلة العودة إلى دوائر 2010م والأثر الإداري والسياسي
إن التوجه التقني الحالي للمفوضية القومية للانتخابات بالعودة إلى دوائر عام 2010م يثير إشكاليات هيكلية بالغة التعقيد حيث تتجاهل العودة لدوائر الجغرافية لانتخابات 2010م التغيير القانوني والسياسي الجوهري المتمثل في الأمر الرئاسي التي بموجبه أسسست إدارية منطقة أبيي الخاصة ككيان قائم بذاته ومستقل عن ولاية واراب واختلفت بشكل كبير وليست كما كانت عليه قبل الاستقلال. إن إعادة ربط أبيي بواراب انتخابياً يعد تراجعاً ومخالفة صريحة للمادة (162) من الدستور المعدل، والتي أقرت رسمياً تكوين الدولة من عشر ولايات وثلاث إداريات مستقلة. وبالقارنة حجم التمثيل والوزن السياسي قبل الاستقلال، كان العدد الكلي لمقاعد المجلس التشريعي لجنوب السودان (170) مقعداً.
يضع هذا التصور علامات استفهام كبرى حول مصير مقاعد ممثلي أبيي الحاليين في البرلمان القومي في البرلمان السوداني قبل استقلال جمهورية جنوب السودان وهما (هنربول/ أجينق فاط، وهنربول/ دينق ألور)، وممثلي أبيي في جنوب كردفان (هنربول/ نياكوج نقور، وهنربول/ دينق أبيم) والذي كان من المفترض تعويضها في المجلس القومي كما حدثت لبقية الاعضاء الذين كانوا في السودان قبل الانفصال؛ إن تكرار مشهد التأجيل الجزئي دون رؤية تشريعية واضحة .سيهدد استمرارية هذا التمثيل لمنطقة أبيي
.رابعاً: قرار المفوضية من الناحية القانونية والفنية
تتحجج المفوضية القومية للانتخابات بأسباب تقنية تفرض الاعتماد على آخر تعداد سكاني رسمي في عام 2008م ودوائر 2010م. وهنا يبرز الخلل الهيكلي؛ حيث إن التعداد السكاني الخامس للسودان (2008م) كان معيباً ومطعوناً فيه تاريخياً من قِبل قيادة منطقة أبيي بالحركة الشعبية وبناءً على تلك الاعتراضات، قررت مفوضية الانتخابات حينها عبر اجتماع مؤسسة الرئاسة بين الرئيس البشير ونائبه الاول أنذاك الجنرال سلفاكير تأجيل الانتخابات جزئياً في أبيي، ومن غير المقبول قانوناً بناء تجربة انتخابية سيادية جديدة في عام 2026م على مرجعية فنية كانت محل طعن وإلغاء جزئي. ووفقاً لقانون الانتخابات القومية لسنة 2012م (تعديل 2023م)، تواجه الإداريات الثلاث (أبيي، بيبور الكبرى، روفينق) تأخراً حاداً في تكوين لجانها العليا للانتخابات مقارنة بالولايات. كما يبرز عيب تشريعي في الهيكلة؛ حيث يفترض قانوناً أن تتكون اللجنة العليا على مستوى الإدارية من (3 أعضاء) فقط، في حين تتكون من (5 أعضاء) على مستوى الولايات، مما يتطلب تعديلات قانونية عاجلة لتشكيل مجالسها الانتخابية وضمان كفاءتها الإجرائية.
لذا نجد أن الإصرار على المرجعيات الفنية القديمة يفتح الباب أمام طعون دستورية وقانونية تؤدي إلى بطلان العملية الانتخابية ونظام تقسيم الدوائر الجغرافية المحلية للمجلس التشريعي المحلي لانتخابات 2026م. وايضا يترتب على صعوبة إدماج ومواءمة المقاعد المخصصة لكتلة المرأة بعد رفع نسبتها قانوناً من 25% إلى 35%، والكتلة الحزبية، في ظل غياب تقسيم دوائر حديث خاص بالإدارية. وكما يلوح في الأفق احتمالية حقيقي بمقاطعة الانتخابات العامة من قِبل مواطني وسكان الإداريات الثلاث في حال عدم معالجة وضع الدوائرعلى المستويين المحلي والقومي، مما يضرب شرعية الانتخابات في الصميم.
.خامساً: الخاتمة والتوصيات
تأسيساً على ما تقدم من نصوص قانونية وحقائق سياسية، نرفع إلى رئاسة الجمهورية، والمفوضية القومية للانتخابات، والقوى السياسية الموقعة، التوصيات والحلول العاجلة التالية:
* ضرورة رعاية رئاسة الجمهورية لحوار وطني عاجل وشامل يضم قيادات منطقة أبيي، والمفوضية القومية للانتخابات، لمعالجة ملف الدوائر الانتخابية على المستوى المحلي (المجلس التشريعي لإدارية أبيي)، وضمان تخصيص مقاعد عادلة وثابتة للمنطقة في المجلس القومي (البرلمان) ومجلس الولايات.
* الالتزام بالوضع الدستوري لإدارية أبيي ككيان مستقل، والبحث عن صيغة قانونية استثنائية تسمح لمواطني أبيي بالتصويت ككتلة مستقلة (إدارية خاصة) دون إلحاقهم بولاية واراب، مع تخصيص على الاقل (10) مقاعد في البرلمان القومي، و*(21) مقعداً لأعضاء المجلس التشريعي المحلي*، وضمان تمثيل مساوٍ في مجلس الولايات لبقية الولايات العشر والإداريتين الأخريين.
* إجراء تعديلات قانونية عاجلة لتسريع وتفعيل تكوين اللجان العليا للانتخابات في الإداريات الثلاث ومعالجة هيكلتها العددية لتتواءم مع متطلبات العملية الانتخابية الحديثة (قانون الانتخابات القومية تعديل 2023م).
*إلزام مفوضية الحدود القومية بالقيام بترسيم ووضع العلامات على الحدود الإدارية لمنطقة أبيي بشكل دقيق وعاجل قبل البدء الفعلي في أي عملية اقتراع، لحماية النطاق الجغرافي للدوائر الانتخابية وتفادي النزاعات الحدودية أثناء العملية.
المصادر والمراجع :
*اتفاقية السلام الشامل - بروتوكول حل نزاع أبيي 2004م
*د. أحمد إبراهيم أبوشوك، الانتخابات القومية في السودان لسنة 2010م (مقارنة تحليلية)، مركز الجزيرة للدراسات، ص 54، ص 182.
*دستور جمهورية جنوب السودان الانتقالي لسنة 2011م (المعدل).
*أمر تأسيس إدارية أبيي الخاصة لسنة 2015م والأمر الرئاسي رقم 36/2015م.
*الاتفاقية المنشطة لحل النزاع في جمهورية جنوب السودان، 12 سبتمبر 2018م.
*قانون الانتخابات القومية لسنة 2012م وتعديلاته لسنة 2023م.
*الوثائق الرسمية والموقع الإلكتروني للمفوضية القومية للانتخابات.
*الرأي القانوني لوزير العدل بجمهورية جنوب السودان لسنة 2025م
