أبيي... جدل تاريخي لا ينتهي

بقلم. منجلواك أقوير راو - المحامي

أبيي... جدل تاريخي لا ينتهي

بقلم. منجلواك أقوير راو - المحامي

تعتبر أبيي الموطن الدائم لمشيخات دينكا نقوك التسع، وتُعرف بهذا الاسم كدلالة لأسم شجرة بلغة الدينكا وذلك منذ فترة ما قبل الحكم ،الاستعماري، سكنت قبيلة الدينكا نقوك في منطقة أبيي في فترة ما قبل القرن السابع عشر الميلادي، جاءوا من منطقة أعالي النيل الكبرى، واستقروا على امتداد مجاري المياه الرئيسية من المناطق الواقعة في شمال نهر نغول، وحتي جنوب نهر كير وبحيرتي "نيامورا" و"لو

بينما هاجرت قبيلة المسيرية العربية إلى منطقتي المجلد وبابنوسة في حوالي القرن التاسع عشر وعرفت بهجرة عرب الشتات عبر الشريط الإفريقي الساحلي واستقر جزء منهم في دول غرب ووسط أفريقيا مثل (تشاد، النيجر وإفريقيا الوسطى) وذلك قبل رحلتهم للمرة الثانية و دخولهم نحو السودان من الناحية الغربية ، وقد أستقرت جزء من عرب الشتات في مناطق دارفور وزحفت مجموعة المسيرية الحُمر إلى المناطق الواقعة في شمال حزام القوز بالقرب من المجلد وبابنوسة على حساب قبيلة "الشات" التي تُعتبر -وفقاً للسرد التاريخي- السكان الأصليين للمنطقة، كما توغلت الجزء الثاني من المسيرية الزُرق نحو الشرق قرب بحيرة كيلك في نفس القرن

​وظلت قبيلة المسيرية الحُمر مستقرة في المجلد شمال حزام القوز ، وبقي قبيلة الدينكا في مكانها في منطقة أبيي على امتداد مجرى نهري نغول وكير ، حيث تختلف البيئة لكل منهما، وهو ما انعكس على سلالات أبقارهما؛ فأبقار المسيرية الحُمر سلالةٌ تتحمل الرحلات الطويلة فوق القيزان، بينما تستطيع أبقار الدينكا نقوك العيش بشكل أفضل في سهول الطين وحول أودية الأنهار، وقبل القرار الإداري الذي أصدرته الإدارة البريطانية، كانت المنطقة تُدار كجزء من جنوب السودان، وتحديداً ضمن حدود مديرية بحر الغزال، إلى أن تم ضمها لمديرية كردفان في عام 1905م.

​ويُعتبر الغزو التركي-المصري للسودان في القرن التاسع عشر، والثورةُ ضد الحكم الاستعماري التي قادت إلى إقامة الدولة المهدية فيما بين (1881–1898م)، السببَ في خلق اضطرابات بالمنطقة؛ وذلك بعد أحتلال الحكم التركي-المصري منطقة بحر الغزال وسمحت لتجارة العاج والرقيق في منتصف القرن التاسع عشر في التغول في المنطقة ، حيث أسس تاجر الرقيق المشهور الزبير باشا رحمة مركزاً وإمبراطورية لتجارة الرقيق في منطقة جنوب نهر كير/بحر العرب، ومن هناك شن حملاته لاجتياح سلطنة دارفور، وسيطر بالفعل على إجزاء من جنوب كردفان.

​في ذلك الوقت، صار دينكا نقوك هدفاً متزايداً للزبير باشا وحلفائه من المسيرية الحُمر. وقد استطاع السلطان أروب بيونق، سلطان دينكا نقوك، من تأمين وتدبير الحماية الجزئية لدينكا نقوك وغيرها من بقية مجموعات الدينكا الموجودة جنوباً، وفي مرحلة من المراحل، وتعرضت قبيلة المسيرية الحُمر والذين تخاصموا مع الخليفة التعايشي لغارات قوات المهدية، فوجدوا ملجأً وحماية لهم في أراضي دينكا نقوك الواقع شمال منطقة أبيي، ومن هناك بدأت الاحتكاك اوما يعرف بالتعايش بين دينكا نقوك والمسيرية الحُمر وكانت في واقع الأمرمرتبطاً بالعلاقات الشخصية بين زعماء القبيلتين، وهي العلاقات التي تعكس صوراً متضاربة للنجاح والفشل في تخطي انقسام الهوية الذي يفرق بين الزعماء ورعاياهم

​وفي عهد السير فرانسيس ريغنالد وينغيت باشا، الذي حكم السودان في الفترة من عام 1899م حتى 1916م -وكان السودان آنذاك يتكون من تسع مديريات أثناء الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري- قُسّمت مديرية الاستوائية إلى مديريتي الاستوائية ومديرية بحر الغزال (ونُقلت عاصمتها من منقلا إلى جوبا) وبحر الغزال (وعاصمتها واو). وفي عهد السير روبرت هاو، تبين أن معظم شكاوى سكان منطقة أبيي كانت تنجم عن الاحتكاك مع جيرانهم المسيرية الحُمر القادمين من اتجاه الشمال، والذين كانوا ينشطون في تجارة الرقيق ونهب المواشي، فقرر السير ريغنالد وينغيت باشا ضم منطقة أبيي إلى إقليم كردفان لتسهيل حل مشاكلها المتكررة، وحدث ذلك في عام 1905م.

​وفي عهد السير جون لودر عام 1929م، تأسست الإدارة الأهلية في السودان، واستند تقرير السكرتير الإداري السير هارولد ماكمايكل إلى تقرير مفوضية اللورد مونرو، الذي أوصى بتقليص دور الإدارة البريطانية في المستعمرات ومنح سلطات أكبر للكيانات المحلية لتدير هذه المستعمرات بالوكالة لتقليل التكلفة والاحتكاك مع الشعوب المُستعمرة. وهذا ما جعل الحاكم العام يتبنى نظامين للإدارة الأهلية في السودان المحاكم الشمالية وفقاً للشريعة الإسلامية وكان عددها إحدى عشرة محكمة ولم تضم منطقة أبيي حيث أُنشئت محكمة بأبيي وفقاً لأعراف دينكا نقوك، والمحاكم الجنوبية حسب كل قبيلة في جنوب السودان وفقاً للأعراف المحلية.

​وفي عام 1952م، قام السير ألكساندر نوكس هيلم بعقد مؤتمر مناطق التماس بمدينة أبيمنم، وعرض على سلطان دينكا نقوك إعادة منطقة أبيي إلى بحر الغزال، لكن السلطان رفض ظناً منه أن بقاءها في الشمال سيوفر للمنطقة فرصاً أفضل. وقبل اتخاذ القرار، طالب السلطان دينق كوال Majoh أروب المعروف في أوساط أهله بـ "دينق مجو

بمهلة لمدة أربع سنوات للمقارنة بين نظام الإدارة الأهلية في جنوب السودان والمحكمة التابعة لمديرية كردفان ، وفي 19 ديسمبر عام 1955م، وقبل انتهاء المرحلة الانتقالية المحددة (1954–1956م) وهي المهلة المقررة أعلن البرلمان السوداني استقلال السودان من داخل البرلمان في الجلسة رقم (43). لم يكن السلطان على علم بمغادرة آخر حاكم عام إنجليزي للسودان، السير ألكسندر نوكس؛ إذ تم تعيين رئيس القضاء السوداني مولانا محمد أحمد أبو رنات في وظيفة الحاكم العام المكلف لمدة سنة للتمهيد للاستقلال، وذلك من الأول من يناير عام 1955م حتى الأول من يناير عام 1956م، عندما صار إسماعيل الأزهري أول رئيس وزراء لحكومة السودان المستقلة.

​وقد تم تجاهل مطالبات أبناء أبيي بضرورة إعادة منطقتهم لجنوب السودان أسوة بالمناطق الأخرى مثل "تويج" و"روينق" اللتين أُعيدتا خلال الفترة بين 1912–1930م. وأدى هذا الرفض إلى تمرد عدد كبير من شباب ومثقفي منطقة أبيي والتحاقهم بحركة "الأنيانيا الأولى" التي أُسست سنة 1955م. وبعد عشر سنوات، شنت مليشيات المسيرية المسلحة، المدعومة من الحكومة المركزية لبرئاسة السيد الصادق المهدي، هجماتٍ على قرى ومناطق عشائر دينكا نقوك الواقعة شمال أبيي، والمعروفة بمناطق "نغول"، وتم تهجير السكان، ممّا دعا شباب ومثقفي منطقة أبيي للذهاب إلى الكونغو لجلب السلاح للدفاع عن القرى والأعرض، وانضم جزء منهم إلى حركة الأنيانيا الأولى.

​وفي عام 1972م، تم التوقيع على اتفاقية أديس أبابا للسلام، وكان مقرراً إجراء استفتاء لشعب منطقة أبيي لتحديد ما إذا كانوا يريدون البقاء في كردفان أو العودة لجنوب السودان، أي إعطاء المناطق التي تشكل ثقافياً وجغرافياً جزءاً من التركيبة الجنوبية -بما فيها أبيي- حق تقرير المصير بالاختيار بين الالتحاق بجنوب السودان أو البقاء في الشمال، وهو ما ورد في البند (3) الفقرة (3) من الاتفاقية، تملص نميري من تلك الاتفاقية وونعتها بإنها ليس قراناُ أو أنجيلا، بتلك العبارات قد وضع حد للأتفاقية.

​وفي عام 1982م، قام شباب ومثقفو منطقة أبيي بتكوين "حركة تحرير أبيي"، والتي انضمت لـ "أنيانيا الثانية" التي أصبحت لاحقا جزءاً من نواة للحركة الشعبية لتحرير السودان التي أُعلنت تكوينتها في 16 مايو 1983م برئاسة الدكتور العقيد جون قرنق دي مبيور والتي واصلت النضال ضد الحكومات المركزية في الخرطوم حتي عام 2005م عند توقيع اتفاقية السلام الشامل والتي أحتوات على برتكول خاص بأبيي

​ تم توقيع بروتوكولاً خاص بمنطقة أبيي في 2004م، ونَصّ البند الأول (الفقرة 3) على إجراء استفتاء لعشائر دينكا نقوك التسع بالتزامن مع استفتاء شعب جنوب السودان، كما نصّ البند (3) الفقرة (1–6) على اقتسام عائدات بترول أبيي بين الجنوب الشمال ، ومنح البروتوكول للمسيرية فقط حق الرعي والمرور عبر أبيي ختي إلى المناطق الجنوبية للحصول على الماء والكلأ.

​وفي يونيو 2005م، تقدمت لجنة الخبراء بتقريرها حول حدود عشائر دينكا نقوك التسع والتي نصت البرتكول على أن تكون التقرير ملزما ونهائي للطرفين ، إلا أن الرئيس عمر البشير رفض التقرير بحجة أنه تجاوز تفويضها، مما تسبب في تهديد لانهيار اتفاقية السلام الشامل منذ البداية، وأستمرت الحال كذلك حتي قام الجيش السوداني باجتياح مدينة أبيي في 10 مايو عام 2008م، ولم ينتهِ ذلك الاجتياح إلا بعد التوقيع على خارطة الطريق بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية في 8 يونيو 2008م، والتي قررت اللجوء إلى محكمة التحكيم الدائمة بلاهاي. وفي سبتمبر من عام 2009م، أعادت المحكمة رسم الخريطة الحالية لمنطقة أبيي وعرفت بحدود عشائر دينكا نقوك أو أبيي بوكس ، وتم تشكيل حكومة مشتركة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني.

​وفي يناير 2011م، شرعت عشائر دينكا نقوك التسع في إجراء مشاورات لإعلان الانضمام إلى جنوب السودان قبل إجراء استفتاء جنوب السودان، بعد أن فشل الطرفان في تشكيل مفوضية استفتاء أبيي؛ إلا أن رئيس الحركة الشعبية أرسل وفداً رفيع المستوى لإمهالهم فرصة لإجراء استفتاء جنوب السودان، على أن تشرع قيادة الدولة الوليدة بحسم قضية أبيي..

​وقبل إعلان استقلال جنوب السودان بشهر، قام الجيش السوداني مرة أخرى باجتياح مدينة أبيي في 21 مايو عام 2011م، ولم ينتهِ ذلك الاحتلال إلا بتوقيع اتفاق الترتيبات الأمنية المؤقتة، والذي أتى ببعثة القوات الدولية اليونيسفا لحفظ الأمن بمنطقة أبيي أو ما يُعرف بـ "صندوق أبيي

​وفي 21 سبتمبر عام 2012م، تقدم رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوى ورئيس جنوب أفريقيا السابق، ثامبو إمبيكي، بمقترح لإجراء استفتاء أبيي في أكتوبر 2013م بعد حسم شروط المستحقين للتصويت وذلك حسب نصوص اتفاقية الترتيبات الأمنية المؤقتة، ووافقت جمهورية جنوب السودان فوراً على المقترح، بينما لم تُبدِ حكومة السودان رأياً واضحاً بالرفض أو القبول.

​وفي أكتوبر من عام 2013م، قررت عشائر دينكا نقوك إجراء استفتاء شعبي لمنطقة أبيي بعدما اتضح أن حكومة البشير لا تريد الوصول إلى أي حل للقضية، وبالفعل، تم تنظيم ذلك الاستفتاء الشعبي بمراقبة دولية وإقليمية، وقرر فيه شعب منطقة أبيي الانضمام لجنوب السودان بنسبة 99.9%. وفي 26 أكتوبر 2013م، وقّعت الأحزاب السياسية الجنوبية وثيقةً لدعم أي قرار يتخذه شعب أبيي، ووقّع عليها عشرة أحزاب سياسية رئيسية، بما فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب اليوساب والحزب الشيوعي الجنوبي.

​وفي 15 مارس من عام 2015م، أصدر الرئيس سلفاكير ميارديت أمراً بتأسيس إدارية منطقة أبيي الخاصة، ما يُعتبر أول قرار من قيادة حكومة جنوب السودان وتنفيذاً للبند رقم (97/4) من دستور جنوب السودان الانتقالي لسنة 2011م، بالتعامل مع منطقة أبيي وضم إدارتها رسميأ للدولة الوليدة، ولم تعترض السودان على تلك الإجراءات أنذاك..

​وفي 15 نوفمبر 2018م، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم (2445 والذي قضى بأن تتعاون الأمم المتحدة مع إدارة منطقة أبيي المعيَّنة من قِبل حكومة جوبا منفصلةً عن الإدارة المعيَّنة من قِبل الخرطوم في المجلد.

​وأيضا في 2 ديسمبر عام 2024م، أصدر مؤتمر حكام جنوب السودان الثامن توصيات عديدة وقرارات، من ضمنها قرار اعتماد نتائج الاستفتاء الشعبي لمنطقة أبيي عبر مجلس أبيي التشريعي، ومن ثم رفعها إلى الحكومة القومية للاعتماد النهائي. وفي 27 ديسمبر عام 2024م، قام المجلس التشريعي لمنطقة أبيي باعتماد نتائج الاستفتاء الشعبي الذي أُقيم في أكتوبر من عام 2013م.

​وفي 14 يناير 2025م، قدم وزير العدل السابق لجمهورية جنوب السودان، مولانا، رأياً قانونياً يدعو الحكومة القومية لاعتماد نتائج الاستفتاء المجتمعي لعام 2013م؛ وهو ما يتوافق مع دستور جنوب السودان الانتقالي المعدل لسنة 2011م، وأمر التأسيس لإدارية أبيي لعام 2015م، والأمر العاشر من أؤامرتأسيس والرجوع إلى الولايات العشر والإداريات الثلاث لسنة 2020م.

ومن خلال السرد التاريخي المختصر تبقى قضية أبيي من أوضح القضايا والتي يصعب تزوير مسارها السياسي والتاريخي وتطورات المصاحبة للقضية في الفترة ما بين 1905 الى 2005 اي خلال مائة عام قضاها أبناء دينكا نقوك في النضال وسطر تاريخها عدد من الشهداء من أجل أن يتعم إنسان منطقة أبيي وجنوب السودان بالأمان والطمأنينة ورغم هذا التاريخ الواضح يظهر البعض بالخزلان ومحاولات تزييف الحقائق وفبركتها لتصبح قضية أبيي جدل تاريخي لا ينتهي.

-:المصادر

.د. فرنسيس دينق، صراع الرؤى، ترجمة د. عوض حسن، مركز الدراسات السودانية،الطبعة الأولى، القاهرة، 1999م، ص 22 -

- Sudan Intelligence Reports (SIR) No: 128, March 1905, p3.

د. دوغلاس هـ جونسون، ترجمة سيد احمد علي بلال، حينما تصير الحدود الإدارية الداخلية حدوداً دولية، إثر اقامة الحدود على المحاور-الحدودية لجنوب السودان،
معهد الاخدود العظيم، نيروبي، 2010م.
د. فرانسيس دينق، ترجمة بكري جابر، رجل يدعى دينق مجوك، ((سيرة زعيم ومجدد)، مركز الدراسات السودانية، الطبعة الثانية، القاهرة، 2004م، ص22

د. محمد أبو القاسم حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل (جدلية التركيب)، المجلد الأول، الطبعة الثانية، دار أبن حزم، بيروت، 1996، ص523

د. سلمان محمد أحمد سلمان، انفصال جنوب السودان "دور ومسئولية القوة السياسية"، مركز أبحاث – فيرفاكس، فيرجينا، 2015م، ص 74
د. منصور خالد، أبيي ... من الذي قطعالخيط ، بروتوكولات نيفاشا..... البدايات والمآلات، أغسطس 2005. (https://sudaneseonline.com)
South Sudan cabinet endorses controversial 2013, Abyei referendum - Sudan Post A available at ((https://share.google/HyZB7cJCsuTcVFaXJ )).

Arop Madut Arop, the Ngok Dinka Of Abyei South Sudan in Historical Perspective, House Publishing .UK, 2018.