منطقة أبيي بين بنود اتفاقية أديس أبابا وواقع الصراع السياسي
بقلم. أ. منجلواك أقوير راو – المحامي
مستشار سابق لرئيس أدارية أبيي
يمثل تاريخ السودان قبل أستقلال جنوب السودان دورة متكررة من النزاعات المسلحة والمحاولات الدستورية لتأسيس نظام حكم يراعي التنوع العرقي والثقافي والديني، وكان الصراع بين الشمال والجنوب الذي امتد لعقود محركاً رئيسياً لهذه الدورة، ولقد قدمت اتفاقية أديس أبابا لسنة 1972م نموذجاً للحكم الذاتي الإقليمي، وتعتبر الاتفاقية بالنسبة لمنطقة أبيي بداية عهد ومرحلة جديدة، فقد نصت الفقرة (3) من البند الثالث على أن حدود الإقليم الجنوبي تشير إلى الحدود التي كانت عليها المديريات الثلاث وهي: أعالي النيل، بحر الغزال، الاستوائية في يناير 1956م، وتضيف إلى ذلك: "وأي مناطق أخرى تعتبر ثقافياً أو جغرافياً جزءاً من جنوب السودان يجرى فيها استفتاء عام"، حيث كان المقصود من ذلك النص منطقة أبيي ومناطق أخرى كانت تتبع تاريخياً لجنوب السودان.
فكرت الحكومة القومية بجعل أبيي مثالاً للتعايش بين الشمال والجنوب حسب خطتها حيث ابتدر الدكتور جعفر بخيت صيغاً ومؤسسات لتطوير المنطقة، فكوّن في البداية لجنة لإعداد برنامج لتطوير المنطقة ضمت كل الوزراء المعنيين، وأنتدب ابن المنطقة الدكتور فرانسيس دينق الذي كان يعمل سفيراً بالسويد وكان من ضمن القرارات تعيين تسعة إداريين تم انتدابهم من الجنوب للعمل في منطقة أبيي.
وتبنّى الدكتور فرانسيس دينق عقب اتفاق أديس أبابا مشروعاً لتنمية المنطقة بالتعاون مع معهد هارفارد للتنمية الدولية، حيث بدأ المعهد بإرسال بعثة استكشافية تضم مديرها البروفيسور/ ليستر غوردون ورئيس قسم الصحة بالمعهد الدكتور/ستيفن جوزيف، لكن في النهاية لم يرَ ذلك المشروع النور .
إبان تنفيذ اتفاقية أديس أبابا، كان الهدف يتمثل في أمرين:
أولاً: تطوير المنطقة برضا أهلها حتى يستمر التعايش السلمي وتصبح منطقة أبيي منطقة ترابط حقيقي بين الشمال والجنوب.
ثانيا: منح المنطقة حق تقرير المصير، والذي هو من الحقوق التقليدية للإنسان كما نصت الاتفاقية.
وحتى عام 1977م كان نميري مدركاً لما يلزم فعله بموجب اتفاق أديس أبابا؛ وكان قد أعلن في عام 1974م أن منطقة أبيي سوف تكون ذات طبيعة خاصة تتبع في إدارتها لرئاسة الجمهورية، وبعد أربع سنوات من إعلان نميري، بدأت القوى السياسية الجنوبية تأخذ زمام المبادرة؛ حيث أصدر مجلس الشعب الإقليمي بجوبا قراراً يطالب فيه بتنفيذ النص الخاص بـ منطقة أبيي كما ورد في اتفاقية أديس أبابا (إجراء الاستفتاء)، وهو ما أكده مجلس الشعب المنتخب في عام 1981م. لكن نميري لم يكن في عجلة من أمره لتنفيذ الاتفاقية، ولجأ لتكوين لجنة برئاسة الإداري الشيخ بشير الشيخ وكان وقتها وزيراً للحكم المحلي لتتقدم بتوصيات حول أبيي، ووضع مولانا دفع الله الرضي نائباً لرئيس اللجنة وبعض زعماء القبائل. واقترحت اللجنة بدائل منها، ان تدار المنطقة على الوجه الذي كانت تدار به من قبل، أو تصبح مجلساً محلياً مستقلاً، أو تُعلن كولاية ، أو يُمنح أهلها حق اختيار ما يريدون
والخيار الأخير مبني على ما نصت عليه اتفاقية أديس أبابا وأصر عليه العضو الجنوبي في اللجنة مولانا مارتن ماجير حرصت اللجنة على توضيح الإيجابيات والسلبيات لكل مقترح، إلا أن نميري لم يعمل بأيٍّ من مقترحات وتوصيات اللجنة. وجاءت محاولة الالتفاف الثانية بتكوين لجنة لتقصي الحقائق برئاسة القاضي خلف الله الرشيد، والتي أصدرت في 7/1/1981م قراراً حاسماً ينص على الآتي:
أن تبني حدود المديريات الجنوبية كما كانت في اليوم الأول من يناير1956م، وهذا يعني إعادة منطقة حفرة النحاس وكافيا كنجي إلى مديرية بحر الغزال، وهي المنطقة التي سبق أن أضيفت إلى مديرية دارفور وفقاً لوصف الحدود المعدلة المنشورة في "غازيتة" (الجريدة الرسمية) لجمهورية السودان رقم (947) بتاريخ 15 يوليو 1960م، وهذا يتفق تماماً مع اتفاقية أديس أبابا وقانون الحكم الذاتي الإقليمي لسنة 1972م.
أو تخضع منطقة بحر العرب لترتيبات إدارية تأخذ في الاعتبار التكوين الاجتماعي، بما في ذلك الحقوق التقليدية للمرعى وصيد الأسماك التي نُظّمت بترتيبات إدارية.
إو إجراء استفتاء لمشيخات دينكا نقوك التسعة التي تُدار في مديرية كردفان لتقرير مصيرها: إما البقاء في وضعها الإداري في كردفان، أو الرجوع إلى إقليم بحرالغزال.
وتطبيقاً لرغبة الجنوبيين بانضمام منطقة أبيي لجنوب السودان، تم اختيار واحد من أبناء أبيي نائباً في المجلس الإقليمي من دوائر الخريجين وهو الدكتور زكريا بول دينق، أنتهت اتفاقية أديس أبابا بعدما تنصل الرئيس جعفر نميري من معظم بنودها؛ حيث شعر بنوع من الحرية في تجاوز بنود الاتفاقية ووصفها في جزء من لقاءاته بأنها ليست إنجيلاً ولا قرآن.
وفي 16 مايو 1983م انفجرت الأوضاع مجدداً في حامية بور، المكونة من وحدة من قوات "الأنيانيا السابقة المستوعبة إثر هجومٍ من قِبل قوة تابعة للقيادة الجنوبية للجيش في جوبا. وكانت القوات آنذاك في بور بقيادة الرائد كاربينو كوانين بول، وقد أبدت مقاومة شديدة قبل الانسحاب إلى الغابات. وفي السادس من يونيو انضم للتمرد قائد حامية "أيود" الرائد وليم نيون بانج الضابط السابق في الأنيانيا والصديق للرائد كاربينو كوانين بول. وفي وقت لاحق، تم تأسيس الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان تحت قيادة العقيد د. جون قرنق دي مبيور، وبعد ذلك، تحركت جموع من حركة تحرير أبيي من منطقة أبيي وأجزاء واسعة من مناطق بحر الغزال بقيادة الراحل مايكل ميوكل دينق والقائد الراحل بقت أقويك أشاك، وبتنسيق تام من المؤسسين الأوائل لحركة تحرير منطقة أبيي وفي مقدمتهم القائد الدكتور/ شول دينق ألاك، والقائد دينق ألور كوال، والقائد الراحل أدوارد لينو وور الذي كان يعمل بالداخل في خلية الخرطوم حتى عام 1987م لصالح تأسيس الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان.
:المراجع:
جوشوا كريز، خلق الوقائع على الأرض: ديناميات الصراع في أبيي، مسح الأسلحة الصغيرة، المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية، جنيف،2011م
د. محمد أبو القاسم حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل،المجلد الثاني، دار أبن حزم، بيروت، الطبعة الثانية، 1996
د. لام أكول، ترجمة إسماعيل أدم وبشري أدم، الثورة الشعبية لتحريرالسودان، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2008.
Arop Madut Arop, The Ngok Dinka of Abyei, South Sudan in Historical Perspective,
House Publishing, UK, 2018.
Edward Abyei Lino, Ngok People Versus Missiriya, Rafiki Printing & Publishing,
Juba, 2020.
